نصر حامد أبو زيد
54
مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن )
وكان امرأ تنصر في الجاهلية ، وكان يكتب الكتاب العربي ، ويكتب في الإنجيل بالعربية ما شاء اللّه تعالى أن يكتب « 1 » . لقد كان النص في هذه المرحلة يميز نفسه عن ثقافة « الأميين » بأنه كتاب ، وكان يميز نفسه عن ثقافة « أهل الكتاب » من جهة أخرى بأنه « كتاب عربي » أو « بلسان عربي » . وهذا التمييز هام في ذاته لدلالته على الوظيفة التي كان على النص أن يلعبها في اطار الثقافة بوصفه حلقة هامة فاصلة بين مرحلتين كما سبقت الإشارة . إن قراءة النص قراءة خاصة من حيث ترتيب نزول الآيات يمكن أن تكشف لنا عن كثير من حقائق حركة النص في الثقافة تشكلا وتشكيلا ، وإن كان الوصول إلى هذا الترتيب الدقيق أمر يحتاج إلى طاقات كثير من الباحثين « 2 » . إن مفهوم « الكتابة » في ثقافة ما قبل النص كان مفهوما يرتبط بالسرية والخفاء المتضمّنين في المفهوم اللغوي للوحي ، ولذلك يضع صاحب اللسان « الكتابة » ضمن معاني « الوحي » ، لكن هذا المعنى من معاني الوحي - معنى الكتابة - لا نجد له استخداما في النص ، وانما ترد الكتابة بمعنى التدوين والتسجيل والتثبيت أو بمعنى الفرض والايجاب « 3 » . نجد الكتابة بمعنى الوحي أو بالأحرى الوحي بمعنى الكتابة في الشعر الجاهلي . يقول لبيد في معلقته : فمدافع الريان عرّي رسمها * خلقا كما ضمن الوحيّ سلامها لقد انمحى رسم مدافع الريان بحكم اسفاء الرياح عليها فاختفت ولم تعد مرئية تماما كما تتضمن الحجارة الكتابة . وإذا كان تضمّن الحجارة للكتابة لا يخفيها ، والأحرى القول إنه يبرزها ، فان رؤية الشاعر للكتابة - المتضمنة في الحجارة - رؤية لنقوش وأشكال « عارية » عن الدلالة بالنسبة له . وتكون الحقيقة بالنسبة للشاعر أن الكتابة « الخافية الدلالة » - الوحي - يمكن أن تماثل اختفاء مدافع الريان بفعل الرياح ، أو تعرى رسوم هذه المدافع . إن الكتابة هنا تبدو بالنسبة للأمّي دلالة ، ولكنها دلالة خفية لا يستطيع كشف غموضها ، انها دلالة على المستوى الافتراضي لكنها في الحقيقة غموض . لكن الغموض لا ينشأ في وعي الناظر إلى الكتابة إلا من خلال معرفته أنها دالة ، ولكن دلالتها بالنسبة اليه خفية . إن موقف الشاعر
--> ( 1 ) مختصر صحيح مسلم : الجزء الأول ، ص 25 . ( 2 ) كان لا بد لنا لكي يستقيم اطار التحليل في هذه الدراسة من بذل بعض الجهود في هذا الصدد ، لكنها جهود مبدئية جدا تحتاج لكثير من المراجعة والصبر لكي تكتمل . ( 3 ) انظر : معجم ألفاظ القرآن .